محمد الحميدي

326

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

الأمير ، إنّما كان الناس يرغبون في هذه المنزلة ليدفعوا عن أنفسهم الضّيم ، وأمّا « 1 » إذا صارت جالبة للذّلّ فلنا دور تسعنا وتغنينا عنكم ، فإن حلتم بيننا وبينها فلنا قبور تسعنا لا تقدرون على أن تحولوا بيننا وبينها ، ثم وضع يديه في الأرض وقام من غير أن يسلّم ، ونهض إلى منزله . قالا : فغضب الأمير وأمر بعزله ، ورفع دسته الذي كان يجلس عليه ، وبقي كذلك مدة . ثم إنّ الأمير عبد اللّه وجد فقده ، لغنائه وأمانته ونصيحته ، وفضل رأيه ، فقال للوزراء : لقد وجدت لفقد سليمان تأثيرا ، وإن أردت استرجاعه ابتداء منّا كان ذلك غضاضة علينا ، ولوددت أن يبتدئنا بالرّغبة . فقال له الوزير محمد بن الوليد بن غانم : إن أذنت لي في المصير إليه استنهضته إلى هذا ؟ فأذن له . فنهض ابن غانم إلى دار ابن وانسوس ، فاستأذن - وكانت رتبة الوزارة بالأندلس أيام بني أمية ألا يقوم الوزير إلا لوزير مثله ، فإنه كان يتلقّاه وينزله معه على مرتبته ، ولا يحجبه أولا لحظة - فأبطأ الإذن على ابن غانم حينا ، ثم أذن له ، فدخل عليه فوجده قاعدا ، فلم يتزحزح له ، ولا قام إليه ، فقال له ابن غانم : ما هذا الكبر ؟ عهدي بك وأنت وزير السّلطان ، وفي أبّهة رضاه ، تتلقّاني على قدم ، وتتزحزح لي عن صدر مجلسك ، وأنت الآن في موجدته بضدّ ذلك ؟ فقال له : نعم ! لأني كنت حينئذ عبدا مثلك ، وأنا اليوم حرّ . قالا : فيئس ابن غانم منه ، وخرج ولم يكلّمه ، ورجع إلى الأمير فأخبره ، وابتدأ الأمير بالإرسال إليه ، وردّه إلى أفضل ما كان عليه . 461 - سليمان « 2 » بن هارون الرّعينيّ ، أبو أيوب . محدّث طليطليّ ، مات بالأندلس سنة سبع وتسعين ومائتين .

--> ( 1 ) كتب الشيخ الطنجي يرحمه اللّه : « أما » ثم علّق بالهامش فقال : « في البغية : وأما » . وهذا غريب منه ! فالواو مثبتة في أصل النسخة الخطية ، والظاهر أنه لم يراجع النسخة بعد النسخ ، وعدّ المنسوخ عمدته كما بيّنا في غير هذا الموضع . ( 2 ) ترجمه ابن الفرضي في تاريخه 1 / 256 ( 550 ) ، والضبي في بغية الملتمس ( 776 ) .